ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

77

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

بالسحر ، وذاك أنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر ، والصّمت عن الإفادة أزيد للإفادة ، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتم ما تكون مبينا إذا لم تبين ، وهذه جملة تنكرها حتى تخبر ، وتدفعها حتى تنظر . والأصل في المحذوفات جميعها على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدلّ على المحذوف ؛ فإن لم يكن هناك دليل على المحذوف فإنه لغو من الحديث لا يجوز بوجه ، ولا سبب ، ومن شرط المحذوف في حكم البلاغة أنه متى أظهر صار الكلام إلى شيء غثّ لا يناسب ما كان عليه أولا من الطلاوة والحسن ؛ وقد يظهر المحذوف بالإعراب كقولنا : وسهلا ، فإن نصب الأهل والسهل يدلّ على ناصب محذوف ، وليس لهذا من الحسن ما للذي لا يظهر بالإعراب ، وإنما يظهر بالنظر إلى تمام المعنى ، كقولنا : فلان يحلّ ويعقد ؛ فإن ذلك لا يظهر المحذوف فيه بالإعراب ، وإنما يظهر بالنظر إلى تمام المعنى : أي أنه يحلّ الأمور ويعقدها ، والذي يظهر بالإعراب يقع في المفردات من المحذوفات كثيرا ، والذي لا يظهر بالإعراب يقع في الجمل من المحذوفات كثيرا . وسأذكر في كتابي هذا ما وصل إليّ علمه ، وهو ينقسم قسمين : أحدهما : حذف الجمل ، والآخر : حذف المفردات ، وقد يرد كلام في بعض المواضع ويكون مشتملا على القسمين معا . فأما القسم الأول ، وهو الذي تحذف منه الجمل ؛ فإنه ينقسم إلى قسمين أيضا : أحدهما : حذف الجمل المفيدة التي تستقل بنفسها كلاما ، وهذا أحسن المحذوفات جميعها ، وأدلّها على الاختصار ، ولا تكاد تجده إلا في كتاب اللّه تعالى ؛ والقسم الآخر : حذف الجمل غير المفيدة ، وقد وردا هاهنا مختلطين ، وجملتهما أربعة أضرب : الضرب الأول : حذف السؤال المقدر ، ويسمى الاستئناف ، ويأتي على وجهين : الوجه الأول : إعادة الأسماء والصفات ، وهذا يجيء تارة بإعادة اسم من تقدم